albaraaibnm47البراء بن محمد

كاتبٌ يسعى ويسعى كاتبًا. أحب أن تكون الدنيا هجرية، وألا يمنعنا اختلاف الألسنة من تعلمها. أنشأت المدونة ليلة الأحد 29 ذي القعدة 1447 بحسب الرؤية الشرعية.

ليلة الاثنين 14 محرم 1448

مقدمة الكأس

سمعته يقول: لن نستمتع بها بعد تلك الكأس…

والحق أنه قال: بعد ذلك الكأس. لكنني تصرفت في كلامه لأغراض بلاغية.

وقال آخر: لقد أفسد علينا متابعتها.

وما زالت النشوة تطرب الثالث وتغيبه قليلًا عن الواقع.

وهكذا كان المخلصون. يتعزون بأتراحها قبل أفراحها، ويلتمسون المعنى في مآسيها ومباهجها، ولا يعدم أحدهم وقودًا لاستدامة الهوى والاستمرار في التشجيع والمؤازرة.

فكم تمثلت الآمال والآلام في مسطحاتها الخضراء، وأهدافها المبتكرة، وسحرها العجيب، واستعصائها على المنطق، وترددها بين العدل والظلم.

وإن رجالًا عقلاء ما زالوا يتفكرون في استدبارها مع شدة إقبالها، وقطع السبيل إليها وقد ذللت كل السبل إليها.

فإلى هؤلاء أكتب هذه الخاطرة اليسيرة عسى أن يقفوا فيها على صدى الضمير، وشمعة تترآى لهم في جنح الظلام.

ولست أكتب لمن لم يمتلئ قلبه بغير الساحرة المستديرة، ولا لمن يقارفها مرة كل أربعة أعوام مشاركة لأهله وأصدقائه.

فاستمع إلي. فإنه حديث من عرف عادتك، وجرب هواك، وشاركك في الهم. وليست موعظة ثقيلة ولا حديث من يجهل لذة التباري في الكأس.

ها هي الكأس تراودنا في عامنا 1448 كما كانت عادتها في كل أربعة أعوام. وإن عام 1431 آخر عهدي بنهايتها. فما أطول العهد وما أبعد المدة!

فإليك أسبابًا ثلاثة تدعوك إلى الهجر بعد الوصال والفراق بعد اللقاء.

1- متابعة الكرة تغييب للذات.

(نادرًا ما يقول المشجع: اليوم سيلعب ناديَّ. إنه يقول عادة: اليوم سنلعب نحن) اهـ

إداوردو غاليانو [Eduardo Galeano] – كرة القدم بين الشمس والظل [El fútbol, a sol y sombra] ترجمة: صالح علماني ط1432

قد كنت في صباي (أي في المرحلة الابتدائية) أكره متابعة مباريات كرة القدم وأحسبها تضييعًا للوقت في غير طائل. وإن كان الخوض فيها لعبًا يستهوينا جميعًا.

لكن صديقًا في المرحلة المتوسطة قد استزلني إليها في عام 1428 أو 1429، فانقلب البغض ودًا، والبعد قربًا، والنفور هوى وهواية عجيبة.

والعجيب أنني خالفت صاحبي في أنديته كلها، فقد كان وليًا لمانشستر يونايتد، وكنت أوالي ليفربول، وقل أن أجد آنذاك من يشايعني في الأندية التي أحبها.

والمقصود أنني إنما تابعت الكرة متابعتي لصديقٍ ما. ولا أظنني فردًا مستوحشًا بذلك. فكثيرٌ ممن تعلقها كان قد ورثها من والده أو أعمامه أو أخواله. وإلا فمن رفاقه وأصحابه.

وكم في الناس من ورث تشجيع نادٍ بعينه من أهله وأصدقائه، وكم شق على هؤلاء الانتقال عنه ولو تجرع ناديهم مرارات الهزيمة، وتردى في منازل الدوري، وتنكب سبيل البطولات.

فأين تجد أمجادك الشخصية ولذاتك الحقيقية في تقليدٍ محضٍ للناس؟

نعم لست أنكر أن للكرة سحرًا يأخذ بالألباب، ويفتن من يشاهدها. لكنه ناشئٌ غالبًا عن الأخيلة الهائلة التي يشيدها الناس في الملاعب، والظنون الحسنة بمن يحترفها ويحسنها.

وها هم الناس يبالغون في الانتماء والافتخار والتعصب، وينسبون أهدافهم وطموحاتهم وتاريخهم إلى لاعبين -ليسوا إلا موظفين- ومدربين -ليسوا إلا مديرين- وأندية -ليست إلا شركات ربحية-. فأين حظ النفس من ذلك؟

وأين حظ النفس وذوقها من أمر تتكالب عليه الجماعة وينتشر الإخبار عنه ويشتد الإقبال عليه في موسمٍ من المواسم. فإذا انقضى الموسم انصرف الناس إلى أمرٍ آخر يشغلون أو يشتغلون به.

ولعلك الآن تستنتج السبب الثاني من أسباب الانخلاع عن التلبس بالمتابعة.

2- متابعة الكرة لذة متوهمة!

(لقد تحول اللعب إلى استعراض. فيه قلة من الأبطال وكثرة من المشاهدين، إنها كرة قدم للنظر) اهـ

إداوردو غاليانو [Eduardo Galeano] – كرة القدم بين الشمس والظل [El fútbol, a sol y sombra] ترجمة: صالح علماني ط1432

أخبرتك أنني كنت ألعب الكرة -وقد كانت الرياضة الوحيدة تقريبًا في المملكة العربية السعودية والسودان وسائر بلاد العرب-. ولم أشاهد المباريات سوى أنني كنت أمقت التشجيع والمتابعة وأكتفي باللعب.

لم أنكر أنها لذة لكنها لا تخالط إلا من يتابع المباراة في حينها ويتأهب لها، ثم تزول السكرة، وتنقضي الغفوة عند صفير الحكم، وسكون الحركات، وثبوت النتائج.

تفكر وأخبرني عن لذة متابعة المباراة في ملعب شعبي، ومتابعتها في أضخم ملاعب الدنيا.

أليست اللذة في الحالين واحدة متخيلة متوهمة لا توازي لذة اللاعب الخائض في الميدان.

تأمل في ليونيل ميسي ذي المهارة الفائقة في اللعب بالكرة، وكريستيانو رونالدو الذي يبدي صلابة النفس في الساحة، ورونالدينو الراقص بالكرة وغيرهم من الأعلام المعاصرين والراحلين في مسطحات الكرة الخضراء.

أتظن أنك تنال اللذة بمشاهدتهم يتلذذون؟

نعم لعب الكرة (أو اللعب بالكرة) رياضة ذهنية بدنية يتفاوت فيها الرجال قوة ومهارة وأداء. لكن اللذة كل اللذة في ملابستها وتجريبها وليست في الإخبار عنها بلا عمل.

فلا تتعجب إذا رأيت سمينًا في الرجال يحب متابعتها أو شيخًا كهلًا مولعًا بها فليس في المتابعة إجهاد للبدن أو إعمالٌ لقوته، وإنما هي معاينة خالصة.

أو ليست الخصال التي تنسب إلى الممثلين والفنانين والألقاب التي يُلبسونها تشبه بوجهٍ من الوجوه ما يصنعه مشجعو الكرة مع اللاعبين الذين يعظمونهم؟

فما الفرق -بالله عليك- بين ممثلٍ يستدر عطفك ويستثير شعورك ولاعب يستميل قلبك كلما استحوذ على الكرة وأحسن المراوغة بها؟

إن هذا -ولا شك- سببٌ إلى السبب الثالث والأخير لهجر الكرة وترك متابعتها.

3- كرة القدم صناعة فنية

(تحول هذا الاستعراض إلى واحد من أكثر الأعمال التجارية ربحًا في العالم) اهـ

إداوردو غاليانو [Eduardo Galeano] – كرة القدم بين الشمس والظل [El fútbol, a sol y sombra] ترجمة: صالح علماني ط1432

وجهٌ تأملته قبل أيام. إن زخرف المتكلمين في الكرة المستحسنين لملاحمها لا يعدو أن يكون من جنس شعر الشعراء الذين يزينون الهوى ولو كان قبيحًا!

لا تكاد ترى فرقًا بين من يتابع الأفلام والمسلسلات ويتعلق بالممثلين، ويدور في فلكهم، وبين من يتابع الكرة ويسير في ركاب أبطالها.

ليست كرة القدم اليوم لعبة مرحة يتنافس فيها الصبيان والكبار في استراحة أو ملعب يتقاسمون ثمنه.

لكنها صناعة هائلة ضخمة تنفق فيها أموال الإعلام والأعمال والسياسة وغير ذلك.

وأنت أعلم مني بدهاليز الفيفا والأحاديث العجيبة التي يتناقلها الناس عنها، والمخازي التي لا تنفك عنها. فلست محتاجًا إلى تذكيرك بغرائب كأس العالم في عامنا 1448، ولا أرى ذلك سوى ضربٍ من التعمية وإخفاء الحقائق.

أو لم تكن هذه البطولات تقام في مرأى ومسمع الناس للمآسي والمجازر العظام التي تفني نبلاء الرجال، وتهلك أهليهم لغير سبب مشروع؟

ولست أرى الحديث عن “أفضل نسخة” أو “أردأ تنظيم” سوى دورة من دورات العبث في فلك الآلة الصناعية الفنية العظيمة.

إن تجريد الكرة عن سحرها وفتنتها ليكشف عن صناعة فنية خالصة تتبارى فيها الأموال وتتجاذبها الدعاية ويظلها من مكر السياسة ما الله به عليم.

وعدتك بألا أعظك موعظة ثقيلة تفسد عليك اللذة وتختطف منك المتعة. لكن عمل الإنسان محدودٌ بعمره القصير، وثمراته من خير أو شر يلقاها في اليوم الآخر.

أنت تعلم أنك لا تكتفي بـ90 دقيقة تبذلها في مصاطب المقاهي ومجالس الأصدقاء، فالميمز (الأمثال الرقمية) تطاردك أنى اتجهت، والرغبة في المناكفة أو التحليل الفني المتكلف لا تنفك عنك وأنت تترصد لخصمٍ تريد مناكفته، أو صديق تحب أن تشاركه الفرحة العارمة.

لو كانت متابعة الكرة مقصورة على زمانها القصير المحدود كلعب الشطرنج أو الورق لكانت أهون من أن يلتفت إليها. لكنها تكاد تكون الرياضة الوحيدة التي يراد لنا جميعًا أن نرتاض متابعتها ونألفها بشتى الوسائل والطرق.

وها هي مباريات الكأس تحتف بدعايات مشروبٍ من السكر، وطعامٍ كله سعرات، وحياة جوهرها الاستهلاك والإهلاك.

ختام الكأس

أدع إثارة الأسئلة الأخرى إليك فأنت الآن خبير بنفسك بصير بالوقت الذي يمضي منك.

إنهما سبيلان ولا ريب. فإما أن تكون الكأس آخر ما تقترفه في عام 1448 وإما أن تتداوى منها بكأس أخرى في زمن مؤجل!

البراء بن محمد

ليلة الاثنين 14 المحرم 1448

بسم الله الرحمن الرحيم

ليلة الجمعة 4 محرم 1448

وميض: ظننت أن ذلك الزميل الذي أحادثه ويحادثني ينفعني حين أحتاج إليه. سألته وقد انقضت المصلحة الجامعة أن يرسل إليّ شيئًا يسيرًا ينفعني ولا يضره. فكان جوابه (نعم هنيئة) وليتها كانت (لا مريحة) [1]. ومضت الأيام حتى انقضت حاجتي إلى تلك الحاجة!

ليس أحدنا بريئًا من خذلان من يحتاج إليه لكننا نسأل الله المغفرة وأن يجعلنا عند حسن الظن.

-

أولئك الرفاق الذين يبحرون في غمار المحيط الأزرق الهائل. محيط لينكدن الذي استولى على أكثر المهنيين، وصار استكشافه شرطًا من شروط النجاح المهني والثقة بخبرة من يتقدم إلى الوظائف أو يبيع منتجاته إلى الناس.

يطلب أحدهم الدعم فيهب أصحابه ليسعفوه بالإعجاب والتعليق. ويغدو التعارف في لينكدن سببًا وثيقًا لزيادة الزملاء (connections) ومعرفة أخبارهم، وتتبع تاريخهم المهني، ومراسلتهم عند الحاجة.

لا يكاد أحدٌ يصبح في ذلك المحيط أو يمسي من غير أن يسوِّق لنفسه أو خبرته، ويتفنن في اختيار أغرب العناوين التي تخطف الألباب، ويحتال في كيده ليلقي إلى من يطالع منشوره طعمًا لا ينال منه أكثر ما يريد بل قليلًا يحمله على إدمان المتابعة وانتظار المزيد.

لن أنسى أن أضيف العبارة (إلا من رحم الله) لأن التجربة لا تستحق أن تروى أو تحكى بغير هذا الاستثناء البديهي. إنه يقنعنا -أو يوهمنا- بأن ما نرويه يخلو من المبالغة والمجازفة.

ليس المحيط الأزرق بعيدًا عن محيط الشركات التي نعمل فيها جميعًا صباح مساء (ثمان ساعات وأكثر) لتحقيق مستهدفاتنا، وإثبات مراكزنا، ومنافسة أقراننا، ونيل راتبٍ يكفينا إلى آخر الشهر الميلادي القادم (ولا أدري متى ننال الراتب في الشهر القمري الهجري).

نجتمع في غرفة الطعام أو المطبخ، فنتآكل ونتحادث ويصغي أحدنا إلى أخيه حتى يفرغ من طعامه سندويتشًا كان أم صحنًا. ولا يلبث أن يراه بعد قليل فيحدثه عن مشروعٍ يعمل عليه، أو يشكو من زميلٍ آخر، أو يستدرجه ليسمع منه سرًا لم يكن يعرفه.

نخرج من محيط الشركة إلى المحيط الأزرق فنتسارع إلى طلب الإضافة، ويصانع أحدنا أخاه بتفاعلٍ عابر مع بعض المنشورات، وقد يسأله عنها في اليوم التالي.

تمر الأيام والشهور، فتنقطع الصلة لانقطاع سببها، ويرق حبل الوداد، وتنتهي المؤاكلة والمحادثة، ويغدو القريب غريبًا، والرفيق الحاضر زميلًا سابقًا.

لم تكن تلك العلاقة المهنية سوى رفقة طارئة في طائرة لا تعبأ بتعاقب الركاب والسائقين.

يدخل أحدنا إلى الشركة مجرَّدًا من كل شيء فيتسلح بما عندها من الأجهزة والأدوات والعلاقات، وقد ينسى مع كثرة الملابسة وانغماسه في العمل أن ذلك كله زائل إذا خرج من الباب وانتهت مدته عندهم وانقضت عدته منهم.

أترى المحيط الأزرق بعيدًا عن الشركات التي عملنا بها كبيرة كانت أم صغيرة؟ أتظنه يخلو من الجشع والرغبة في إنهاك المستخدمين مع قلة العائد وانتفاء الجدوى؟

إن كنت تحسن الظن بما عندك في المحيط من علاقات وحضور رقمي، فجرِّب -ولو أيامًا معدودات- أن تخرج عنه، وأن تعتزل أخباره، وتستريح من منشوراته المكررة ومقترحات خوارزمياته، والمحتوى الذي لا يحوي شيئًا مما يهمك.

أتستطيع عندئذٍ أن تتقدم إلى وظيفةٍ تريدها أو منصب تطمح إليه بلا رحلة شاقة في مضماره الطويل؟

أتستطيع أن تجتمع مرة أخرى بالرفاق والزملاء أو تتواصل معهم بلا تكلف ممجوج أو تصنع كاذب؟

أتستطيع أن تدخل إلى السوق وتستحوذ على العملاء بلا راية تائهة ترفعها في وسط البحر الغادر؟

ألا ينبغي أن نُخِرج ما نريده من المحيط الكبير إلى محيطنا الصغير؟ ألا ينبغي أن نهتم بعصفورٍ في أيدينا وندع مئات العصافير في أشجارٍ بعيدة المنال؟

أكتب إليكم هذا المقال عسى أن أُخرِج أنفس ما كتبته في لينكدن، وأستخرج منه صفوة معارفي -وكلهم إن شاء الله من الصفوة-. وعسى أن نجد جميعًا برَّ الأمان ونظفر أخيرًا بما يفيدنا وينفعنا.

وأسأل الله عز وجل أن يجعل عامنا الهجري 1448 مثمرًا ناجعًا ناجعًا بلا محيطٍ لا يحيط!

البراء بن محمد

كاتب مختص بتطوير الأعمال والتقويم الهجري

1:20 من ليلة الجمعة 4 محرم 1448

هامش

[1] جاء في المحاسن والأضداد للجاحظ: (وطلب العتابي من رجل حاجة، فقضى له بعضها ومطله ببعض، فكتب إليه: أما بعد فقد تركتني منتظرًا لوعدك منتجزًا لفردك، وصاحب الحاجة محتاجٌ إلى نعم هنيئة أو لا مريحة. والعذر الجميل أحسن من المطل الطويل) اهـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الأحد 29 ذي القعدة 1447 (بحسب الرؤية الشرعية).

لست أكتم هوى الألفاظ اليسيرة التي تجمع معاني عظيمة وتدل على معالي الأمور.

فمنها الصيانة صيانة الشرف والعرض. ومثالها في الفرنسية (Je maintiendrai) وهي في المعاجم تصريفٌ لفعل الصيانة (maintenir) في الزمن المستقبل. لكنها ماضية عند الهولنديين إذ اتخذها شعارًا ملكٌ من ملوكهم، فصارت شعار هولندا وما زالت.

ألا فتأملوا هذه الصورة وقد اقتبستها من ويكيميديا -وما هي إلا فرع عن ويكيبيديا-!

أليست صولة الأسد بسيفه تصون له ما يحب؟

File:Je Maintiendrai, PK-P-148.047.tif

المصدر:

https://commons.wikimedia.org/wiki/Category:Je_maintiendrai?uselang=fr#/media/File:Je_Maintiendrai,_PK-P-148.047.tif

وقد أرخت ذات يومٍ ليومٍ أرغب فيه بنفسي وأنأى بها عن نعيم التقنية في جحيم الشركات الكبرى.

فكتبت في رسالةٍ إلى بريدٍ أستبدل به -إن شاء الله- بريد جوجل وأخواتها.

(Je maintiendrai inchallah les logiciels libres).

وإن من الصيانة التي أبتغيها صيانة صفحة ورق وصفحة رقمية أكتب فيها ما أحب وأدون فيها ما أريد.

فأما صفحات الورق فما زلت أشتغل بها منذ اقتنيت أثمن الذكريات في اليابان (1445هـ) دفترًا صاحبني فلم يفارقني وألقيت فيه خواطري وأفكاري فاستودعها أحسن استيداع.

وأما الصفحات الرقمية فإليك خبرها:

1- فقد ابتدأت في بلوجر (Blogger) عام 1434هـ وقد كانت مفتوحة المصدر فاستولت جوجل عليها، وألقتها خلف أسوارها. غير أنني واظبت في الكتابة والنشر والتدوين حتى ألفيت جوجل -لحاها الله- تزهد في الدلالة على مدونتي وتطمرها طمرًا في نتائج البحث. حتى إنني أكتب عنوان المقالة وقائلها فتخفى كأن لم تكن.

أفأقول كما قال ظافر القرني:

فما جدوى المقالة لو غضبنا *** وما جدوى نياشين الإغاثة

وبها بثثتُ 68 تدوينة منذ عام 1434هـ حتى عام 1444هـ تقريبًا.

2- وأجريت كلماتي عربيةً في وورد برس (WordPress) في عام 1435هـ أو 1436هـ، ثم أعدت الكرة وقيدت كلمتين (تدوينتين) بالإنجليزية في عام 1441هـ. ولم تكن مرة ثالثة لأن الحماسة للكتابة والتدوين قد انطفأت شعلتها منذ حين.

3- ولم ألبث أن طرقت باب النشر والتحرير في موقع أثارة [1441هـ]، وحساب نادي اقرأ وفكر في تويتر (إكس) [1443هـ حتى 1445هـ]، وكتبت في مدونة سماوي [1447هـ]، ومجتمع الكتابة [1447هـ]، وأنى [1447هـ]، وكتابة [1447هـ].

ولكنني أدركت بعد أن آراء الكاتب وأفكاره التي يحتمل -وحده- مسؤوليتها لا تُنشر إلا بعد المرور على قنطرةٍ ما واسعة أو ضيقة طويلة أو قصيرة.

4- وانبعثت الرغبة في التدوين لما قبلت وساطة ميديم (Medium) بيني وبين القراء [1447هـ] وانخرطت في قمع مبيعاته ليتيح أوراقًا رقمية أبث فيها ما أجد.

فلما انقطعت الصلة التي كنت أبذلها له، حال بيني وبين ما كتبت، وبقي رهين خوادمه، ولا أظن سبيلًا لافتكاكه كله سوى افتدائه ببعض المال!

5- وانضويت تحت لواء باتريون (Patreon) [1447هـ] عسى أن أستقل فيه بما أكتب، وأنال منه مالًا يصونني عن الخوض في خوارزميات الشبكات الاجتماعية. وكدت أن ألقي اللواء وقد تراخت الذراعان عن حمله، وكلَّ الساعد، وتاه القلوب في أودية شتى من الهموم. فلم يلبث الباترينيون -واسم شبكتهم يتصل بالدعم والرعاية من الكبار- أن خوفوني مغبة الغياب عن صناعة المحتوى في منصتهم. وقالوا: إنهم سيطوون صفحتي بلا اعتبارٍ بما كتبته ولا اكتراثٍ بما سطرته إذا طالت مدتي وامتدت فترتي. وقد أمهلوني حتى اليوم [12 ذي الحجة 1447هـ] الذي يلي يوم القر لأكتب شيئًا وأنشره اجتنابًا للطي والإهمال.

وإنني الآن أسري ماضيًا إلى الصباح، فلا ألتفت إلى تسلط الوسطاء، ولا سطوة الداعمين المتشبهين بالآباء، ولا انتظار مدة النشر ولا موافقة سياسات التحرير.

ولذلك أكتب هنا لأحمد الصباح بعد السرى، وأنال الثمرة بعد العمل كما قال أهل اللاتينية (Finis coronat opus).

فعسى أن تكون رايت آس (Write.as) خيرًا من غيرها.

وإنني باقٍ فيها إن شاء الله ما بقيت مفتوحة المصدر، ومعتبرة بحقوق المستخدمين وخصوصياتهم، وغير مستعلنة لهم بشيء، وغير متسلطة عليهم بما يكتبونه.

فلهذا أبقيت اسمها كما هو بلا تخصيص مجاورًا لاسمي.

وشكر الله للمبرمجة الفاضلة أمل التي أعانتني على ميامنة النصوص ها هنا، وابتداء الكتابة من الشرق إلى الغرب. إذ لم تتوان في تصميم وصلة للمتصفح (extension)، مكنتني من استعادة اليمين يمينًا، وإصلاح البوصلة.

وألتقيكم في تدوينة أخرى قريبة إن شاء الله!

وكتب البراء بن محمد

كاتبٌ هجري

hijriman47@protonmail.com

التاسعة وثمان وثلاثون دقيقة من ليلة الأحد لليلةٍ إن بقيت من ذي القعدة 1447 -بحسب الرؤية الشرعية-.

وحررتها بزيادة وتنقيح وتصحيح في السادسة وإحدى وعشرين دقيقة من نهار الأحد لليلةٍ إن بقيت من ذي القعدة من عام 1447 بحسب الرؤية الشرعية.

Enter your email to subscribe to updates.