كيف تقلع عن كأس الدنيا والكؤوس الأخرى؟ ثلاث أفكار كبرى للانقطاع عن المتابعة 14-1-1448
ليلة الاثنين 14 محرم 1448
مقدمة الكأس
سمعته يقول: لن نستمتع بها بعد تلك الكأس…
والحق أنه قال: بعد ذلك الكأس. لكنني تصرفت في كلامه لأغراض بلاغية.
وقال آخر: لقد أفسد علينا متابعتها.
وما زالت النشوة تطرب الثالث وتغيبه قليلًا عن الواقع.
وهكذا كان المخلصون. يتعزون بأتراحها قبل أفراحها، ويلتمسون المعنى في مآسيها ومباهجها، ولا يعدم أحدهم وقودًا لاستدامة الهوى والاستمرار في التشجيع والمؤازرة.
فكم تمثلت الآمال والآلام في مسطحاتها الخضراء، وأهدافها المبتكرة، وسحرها العجيب، واستعصائها على المنطق، وترددها بين العدل والظلم.
وإن رجالًا عقلاء ما زالوا يتفكرون في استدبارها مع شدة إقبالها، وقطع السبيل إليها وقد ذللت كل السبل إليها.
فإلى هؤلاء أكتب هذه الخاطرة اليسيرة عسى أن يقفوا فيها على صدى الضمير، وشمعة تترآى لهم في جنح الظلام.
ولست أكتب لمن لم يمتلئ قلبه بغير الساحرة المستديرة، ولا لمن يقارفها مرة كل أربعة أعوام مشاركة لأهله وأصدقائه.
فاستمع إلي. فإنه حديث من عرف عادتك، وجرب هواك، وشاركك في الهم. وليست موعظة ثقيلة ولا حديث من يجهل لذة التباري في الكأس.
ها هي الكأس تراودنا في عامنا 1448 كما كانت عادتها في كل أربعة أعوام. وإن عام 1431 آخر عهدي بنهايتها. فما أطول العهد وما أبعد المدة!
فإليك أسبابًا ثلاثة تدعوك إلى الهجر بعد الوصال والفراق بعد اللقاء.
1- متابعة الكرة تغييب للذات.
(نادرًا ما يقول المشجع: اليوم سيلعب ناديَّ. إنه يقول عادة: اليوم سنلعب نحن) اهـ
إداوردو غاليانو [Eduardo Galeano] – كرة القدم بين الشمس والظل [El fútbol, a sol y sombra] ترجمة: صالح علماني ط1432
قد كنت في صباي (أي في المرحلة الابتدائية) أكره متابعة مباريات كرة القدم وأحسبها تضييعًا للوقت في غير طائل. وإن كان الخوض فيها لعبًا يستهوينا جميعًا.
لكن صديقًا في المرحلة المتوسطة قد استزلني إليها في عام 1428 أو 1429، فانقلب البغض ودًا، والبعد قربًا، والنفور هوى وهواية عجيبة.
والعجيب أنني خالفت صاحبي في أنديته كلها، فقد كان وليًا لمانشستر يونايتد، وكنت أوالي ليفربول، وقل أن أجد آنذاك من يشايعني في الأندية التي أحبها.
والمقصود أنني إنما تابعت الكرة متابعتي لصديقٍ ما. ولا أظنني فردًا مستوحشًا بذلك. فكثيرٌ ممن تعلقها كان قد ورثها من والده أو أعمامه أو أخواله. وإلا فمن رفاقه وأصحابه.
وكم في الناس من ورث تشجيع نادٍ بعينه من أهله وأصدقائه، وكم شق على هؤلاء الانتقال عنه ولو تجرع ناديهم مرارات الهزيمة، وتردى في منازل الدوري، وتنكب سبيل البطولات.
فأين تجد أمجادك الشخصية ولذاتك الحقيقية في تقليدٍ محضٍ للناس؟
نعم لست أنكر أن للكرة سحرًا يأخذ بالألباب، ويفتن من يشاهدها. لكنه ناشئٌ غالبًا عن الأخيلة الهائلة التي يشيدها الناس في الملاعب، والظنون الحسنة بمن يحترفها ويحسنها.
وها هم الناس يبالغون في الانتماء والافتخار والتعصب، وينسبون أهدافهم وطموحاتهم وتاريخهم إلى لاعبين -ليسوا إلا موظفين- ومدربين -ليسوا إلا مديرين- وأندية -ليست إلا شركات ربحية-. فأين حظ النفس من ذلك؟
وأين حظ النفس وذوقها من أمر تتكالب عليه الجماعة وينتشر الإخبار عنه ويشتد الإقبال عليه في موسمٍ من المواسم. فإذا انقضى الموسم انصرف الناس إلى أمرٍ آخر يشغلون أو يشتغلون به.
ولعلك الآن تستنتج السبب الثاني من أسباب الانخلاع عن التلبس بالمتابعة.
2- متابعة الكرة لذة متوهمة!
(لقد تحول اللعب إلى استعراض. فيه قلة من الأبطال وكثرة من المشاهدين، إنها كرة قدم للنظر) اهـ
إداوردو غاليانو [Eduardo Galeano] – كرة القدم بين الشمس والظل [El fútbol, a sol y sombra] ترجمة: صالح علماني ط1432
أخبرتك أنني كنت ألعب الكرة -وقد كانت الرياضة الوحيدة تقريبًا في المملكة العربية السعودية والسودان وسائر بلاد العرب-. ولم أشاهد المباريات سوى أنني كنت أمقت التشجيع والمتابعة وأكتفي باللعب.
لم أنكر أنها لذة لكنها لا تخالط إلا من يتابع المباراة في حينها ويتأهب لها، ثم تزول السكرة، وتنقضي الغفوة عند صفير الحكم، وسكون الحركات، وثبوت النتائج.
تفكر وأخبرني عن لذة متابعة المباراة في ملعب شعبي، ومتابعتها في أضخم ملاعب الدنيا.
أليست اللذة في الحالين واحدة متخيلة متوهمة لا توازي لذة اللاعب الخائض في الميدان.
تأمل في ليونيل ميسي ذي المهارة الفائقة في اللعب بالكرة، وكريستيانو رونالدو الذي يبدي صلابة النفس في الساحة، ورونالدينو الراقص بالكرة وغيرهم من الأعلام المعاصرين والراحلين في مسطحات الكرة الخضراء.
أتظن أنك تنال اللذة بمشاهدتهم يتلذذون؟
نعم لعب الكرة (أو اللعب بالكرة) رياضة ذهنية بدنية يتفاوت فيها الرجال قوة ومهارة وأداء. لكن اللذة كل اللذة في ملابستها وتجريبها وليست في الإخبار عنها بلا عمل.
فلا تتعجب إذا رأيت سمينًا في الرجال يحب متابعتها أو شيخًا كهلًا مولعًا بها فليس في المتابعة إجهاد للبدن أو إعمالٌ لقوته، وإنما هي معاينة خالصة.
أو ليست الخصال التي تنسب إلى الممثلين والفنانين والألقاب التي يُلبسونها تشبه بوجهٍ من الوجوه ما يصنعه مشجعو الكرة مع اللاعبين الذين يعظمونهم؟
فما الفرق -بالله عليك- بين ممثلٍ يستدر عطفك ويستثير شعورك ولاعب يستميل قلبك كلما استحوذ على الكرة وأحسن المراوغة بها؟
إن هذا -ولا شك- سببٌ إلى السبب الثالث والأخير لهجر الكرة وترك متابعتها.
3- كرة القدم صناعة فنية
(تحول هذا الاستعراض إلى واحد من أكثر الأعمال التجارية ربحًا في العالم) اهـ
إداوردو غاليانو [Eduardo Galeano] – كرة القدم بين الشمس والظل [El fútbol, a sol y sombra] ترجمة: صالح علماني ط1432
وجهٌ تأملته قبل أيام. إن زخرف المتكلمين في الكرة المستحسنين لملاحمها لا يعدو أن يكون من جنس شعر الشعراء الذين يزينون الهوى ولو كان قبيحًا!
لا تكاد ترى فرقًا بين من يتابع الأفلام والمسلسلات ويتعلق بالممثلين، ويدور في فلكهم، وبين من يتابع الكرة ويسير في ركاب أبطالها.
ليست كرة القدم اليوم لعبة مرحة يتنافس فيها الصبيان والكبار في استراحة أو ملعب يتقاسمون ثمنه.
لكنها صناعة هائلة ضخمة تنفق فيها أموال الإعلام والأعمال والسياسة وغير ذلك.
وأنت أعلم مني بدهاليز الفيفا والأحاديث العجيبة التي يتناقلها الناس عنها، والمخازي التي لا تنفك عنها. فلست محتاجًا إلى تذكيرك بغرائب كأس العالم في عامنا 1448، ولا أرى ذلك سوى ضربٍ من التعمية وإخفاء الحقائق.
أو لم تكن هذه البطولات تقام في مرأى ومسمع الناس للمآسي والمجازر العظام التي تفني نبلاء الرجال، وتهلك أهليهم لغير سبب مشروع؟
ولست أرى الحديث عن “أفضل نسخة” أو “أردأ تنظيم” سوى دورة من دورات العبث في فلك الآلة الصناعية الفنية العظيمة.
إن تجريد الكرة عن سحرها وفتنتها ليكشف عن صناعة فنية خالصة تتبارى فيها الأموال وتتجاذبها الدعاية ويظلها من مكر السياسة ما الله به عليم.
وعدتك بألا أعظك موعظة ثقيلة تفسد عليك اللذة وتختطف منك المتعة. لكن عمل الإنسان محدودٌ بعمره القصير، وثمراته من خير أو شر يلقاها في اليوم الآخر.
أنت تعلم أنك لا تكتفي بـ90 دقيقة تبذلها في مصاطب المقاهي ومجالس الأصدقاء، فالميمز (الأمثال الرقمية) تطاردك أنى اتجهت، والرغبة في المناكفة أو التحليل الفني المتكلف لا تنفك عنك وأنت تترصد لخصمٍ تريد مناكفته، أو صديق تحب أن تشاركه الفرحة العارمة.
لو كانت متابعة الكرة مقصورة على زمانها القصير المحدود كلعب الشطرنج أو الورق لكانت أهون من أن يلتفت إليها. لكنها تكاد تكون الرياضة الوحيدة التي يراد لنا جميعًا أن نرتاض متابعتها ونألفها بشتى الوسائل والطرق.
وها هي مباريات الكأس تحتف بدعايات مشروبٍ من السكر، وطعامٍ كله سعرات، وحياة جوهرها الاستهلاك والإهلاك.
ختام الكأس
أدع إثارة الأسئلة الأخرى إليك فأنت الآن خبير بنفسك بصير بالوقت الذي يمضي منك.
إنهما سبيلان ولا ريب. فإما أن تكون الكأس آخر ما تقترفه في عام 1448 وإما أن تتداوى منها بكأس أخرى في زمن مؤجل!
البراء بن محمد
ليلة الاثنين 14 المحرم 1448