بين الربيعين حياة يابانية في الرياض: تأملات سائح في اليابان 6-3-1448

11:59 نهار الأربعاء 6 ربيع الأول 1448

أسابق شمس الأربعاء السادس من الربيع الثالث بعد اليابان، فالغروب يطوي تجدد الذكرى، وانبعاث الشوق إلى رحلةٍ بين الجمعتين، وتطواف في بلاد الشمس المشرقة.

أحدثكم اليوم عن استدارة الزمان، واتصال الحاضر بالماضي، واقتراب الشاهد من الغائب. أحدثكم عن الحياة التي أعيشها في الرياض عام 1448 إذ تشبه حياةً أدركتها في رحلتي إلى اليابان عام 1445. وخلاصتها في ست منازل كبرى.

أبث إليكم الآن التجربة نصًا بلا صورة، وتأتيكم الصور والشواهد في نسخة لاحقة!

المنازل الست لحياة يابانية في الرياض

المنزلة الأولى: المال نقد سيَّال

خرجت الحسابات البنكية عن يدي وقدرتي قريبًا، ونلت أموالي التي كانت في خزائنهم. وبدأت أعتاد النقد يومًا تلو يوم حتى ألفته واستحسنت دورانه في أيدي الناس لا أن ينتقل متناقصًا في شبكات البنوك. هكذا ألفيت اليابان قبل ثلاثة أعوام. فأوراقها النقدية وعملاتها المعدنية في كل مكان، ولا مناص من محفظة خاصة تقيك من تكاثر المال في الجيب.

يسيل النقد، وتأتي معه الفواتير النقدية، والاقتصاد في الإنفاق، والوعي بامتلاك المال. فكم تغرينا البطاقات البنكية بإزهاق أموالنا بعد اكتسابها، وكم نكتفي برسائل الجوال عن النظر في نفقاتنا ومصروفاتنا.

أكان العيش في اليابان سهلًا ميسورًا؟ كلا ورب المشرقين! لكنما الوعي بالمال أولى خطوات الإفادة منه وإنفاقه في مواضعه.

جرب أن تدع بطاقتك البنكية وتستخرج الأموال من خزائنها، وستدرك ما ينالها من البأس الشديد في واقعنا المعاصر.

المنزلة الثانية: السير قبل السيارة

قلت في (يوميات في اليابان): (قومٌ ليس فيهم سمين الاثنين 1445/3/3هـ تأملت اليابانيين رجالهم ونسائهم كبارهم وصغارهم فلم أجد فيهم سمينًا. ولعل ذلك راجعٌ إلى قلة استخدامهم السيارات وبلادهم من أكبر مصانع السيارات في العالم. فما تويوتا ومتسوبيشي ودايهاتسو ونيسان عنا ببعيد. الناس في اليابان مجبولون على المشي والسعي الحثيث لإدراك القطارات والحافلات، بل لا يكادون يتخذون سيارات الأجرة إلا قليلًا. رأيتهم في أوساكا -أول مدينة نزلت بها- وكوبه وأيضًا ناجويا. بل وشيوخهم وعجائزهم يمشون معتدلين من غير علة أو مرض. ولم أجرب أكلهم لكثرة امتزاجه بالمحرمات، ولكنني لا أظنه يسمنهم سمنة فاحشة. [لا] سيما والنحول واعتدال الجسد غالبان عليهم) اهـ

قد جعل الله أمنية أهل الرياض حقًا بإطلاق القطار في جمادى الآخرة 1446، وقد جربته في ليلة الأحد السابعة والعشرين من ذلك الشهر فذكرني قطارات اليابان بطيئها وسريعها والمنطلق منها كالطلقة الفائقة!

واشتد عجبي من استغناء كثيرٍ من اليابانيين عن السيارات لما شاهدت متحف في تويتا في ناجويا. سياراتهم جابت الدنيا، وما زالوا يسيرون في الأرض ويستحبون القطار عليها.

ليس لي أن أتخلص عن السيارة في الرياض. فلا سير هنا بلا سيارة حتى يشاء الله فتتكاثر القطارات ووسائل النقل العامة. حسبي أن أجتهد في استعمال القطار والنقل العام، وأن أراعي حق الناس في الطريق، وأن أتئد في السير وإن طاشوا وأسرعوا لغير حاجة.

قرعت تنبيه السيارة اضطرارًا من غير قصد قبل عدة ليال إذ أوشكت إحدى السيارات أن ترتطم بسيارتي. كم عزَّ علي أن ينخرق صمت السيارة بعد شهرٍ ونصفٍ لمبالغة في الحذر!

المنزلة الثالثة: خريطة ليست للإيجار

علمتني اليابان تقييد يوميات السفر، وبناء خريطة أمتلكها ولا أعيرها لجوجل أو شركات التقنية الكبرى. فقد قيدت في اليابان معالم زرتها أو مررت بها، وكذا معالم لم أزرها وأسأل الله الآن أن يكتب لي زيارتها في وقت لاحق. كذا كتبت عن قطر وإنما بت فيها ليلتي الجمعة والسبت من ربيع الأول 1445. وكررت ذلك في رحلة يوم إلى القصيم أواخر ذلك العام.

ابتدأت إنشاء خريطة في تطبيق Organic Maps لما سافرت إلى المدينة في أواخر المحرم 1448، فقيدت كل موضعٍ في الخريطة وتاريخ إدخاله. وما زلت على هذه العادة الحميدة أقيد مواضع في الرياض وأثبت أصولها في موقع Openstreet المفتوح.

وأما خرائط جوجل فلم تنفعني لما أردت استعمالها لكتابي (نزهة سائح في أذربيجان) فهي تجارية، وبياناتها عند قومٍ لا يؤمن عندهم البايت أو الميجا أو التيرا.

نعم إن خريطة رقمية أمتلكها وأستعمل بياناتها كما أحب وأتخذها من غير شبكة أحب إلي من ملء الأرض خرائط جوجل أو أبل.

واستعمال البرمجيات الحرة أو مفتوحة المصدر أحب إلي من الخصائص التي تساق في أقفالٍ رقمية.

واتخاذ البرامج المحلية خيرٌ من برمجيات عالمية.

وإليك بعض ما قلته عن (متاهة اليابان الثلاثاء 1445/3/4هـ) في المسودة: (كنت كلما نظرت في أسماء الحافلات، ثم نظرت في خرائط جوجل ازددت تيهًا وضياعًا) اهـ وقلت بعد قليل: (فاليابان متاهة لزائرها أول مرة فإن كان يجهل لغتها اعتمادًا على مترجم جوجل فسيجد لأيًا وعنتًا شديدًا) اهـ.

المنزلة الرابعة: ملاحظة الشروق والغروب

أدركت الضياء الأول والشروق الرابع من الشهر في شاطئ أجيقورا، ثم فتح الله عز وجل علي التزام التقويم الهجري، وارتبطت بأوائل الشهور القمرية في عام 1446، ثم اعتبرت بأطوار القمر في عام 1447، وها أنا اليوم مهتم بشروق القمر وغروبها. نسأل الله أن نأتسي بنبيه الخليل إبراهيم عليه السلام.

((وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ))

(رب المشرقين لا حيلة لي في دنياك)

(رب المغربين سلطانك في دنياي)

[قدرت الله شهاب [قدرت الله شهاب] – سفر الخروج [وأصله في الأردية: ياخُدا] ترجمة أيمن عبدالحليم ط 1438 دار تنوير]

وقد هداني الله عز وجل بغروب الأمس إلى صاحبٍ في الأمس واليوم، وأدع خبره إلى موضع آخر.

المنزلة الخامسة: السكون وقلة الصخب

ما أحوجنا إلى قلة الصخب وسكون الليل في الرياض وسائر الحواضر الكبرى.

ليس الهدوء مستحيلًا لكنه يشق على مدمن الضجيج والضوضاء. فاقرأ بعض ما كتبته عن سكون اليابانيين: (من محاسن اليابانيين [الخميس] 1445/3/6هـ […] تراهم في القطار والشوارع يمشون أو يركضون في سكينة ظاهرة. والقطار وإن ضج بهم فإنك لا تسمع لهم همسًا بل لا ترى أحدًا يكلم أهله أو أصدقاءه وإن طال مقامه في القطار. ولم أر في أطفالهم من يبكي أو يصرخ. وقد صحبتهم في الطرقات والقطارات والمتاحف وكل مكان فألفيتهم أسكن الناس وأطولهم صمتًا وأشغلهم بأنفسهم عن الناس) إلى آخر الخاطرة.

استحببت تلك السكينة، وألزمت نفسي ألا أقرع تنبيه السيارة لغير ضرورة ملحة، فبقيت شهرًا ونصف لم أقرعه إلا قبل عدة ليالٍ إذ أوشكت إحدى السيارات أن ترتطم بي وهي عائدة إلى وراء. وقد لمت نفسي في ذلك وإن جرى مني لغير قصد، فقد كان لي أن أتئد وألا أسرع في السير. (خفف الوطء) كذا قال شيخ المعرة، ولن تخففه ما دمت تستعلن بتنبيه السيارة وتجلب بها في كل حين وآن.

نعم ليس الامتناع عن التنبيه سببًا كافيًا لإحسان القيادة، لكنه سبيلٌ إليها، وإلى ترك العجلة وذلك يكفيك مناكفة المتعجلين، والمستولين على الطرقات، والمسرعين فيها لغير داعٍ أو ضرورة.

المنزلة السادسة: كن نظيفًا تر الوجود نظيفًا

لم أكتب عن نظافة شوارع اليابان ولعل شدة ظهور النظافة أغفلتني عن ملاحظتها. أفيكتب أحدنا عن علو السماء على الأرض وعن شروق الشمس وغروبها كل يوم؟

خلت الشوارع عن النفايات وبقايا الأطعمة وليس فيها كثير أوعية أو حاويات. فلم أدر حتى اليوم كيف يبقى الشارع نظيفًا وليست فيه أوعية القمامة.

كرهت بعد حين أن أشرب أو آكل في الشارع كراهة أن أبحث عن الأوعية فلا أراها. والحق أنني ما رأيت أحدًا يأكل أو يشرب في الشارع، وقلت: (وقل أن تجد يابانيًا يأكل أو يشرب في الشارع، وإن كان فيهم مدخنون كثر) اهـ [من محاسن اليابانيين]. ولست أدري أين يلقي المدخن -عافانا الله وإياكم- أعقاب سجائره.

نعم اشتممت رائحة كريهة في إحدى ضواحي ناجويا صباحًا، وكانت مرة واحدة فقط. ورأيت في ليلة الخميس شابًا يابانيًا يبول في حائط إحدى المحطات المغلقة. وقد تولى شأنه رجلٌ من الشرطة.

حادثتان بارزتان ولست أذكر غيرهما. فلعل العادة مطردة والنظام أرسخ مما نظن.

الخاتمة

أكاد أستحضر مشاهد اليابان اليوم كما لم أتذكرها في العام الأول أو الثاني [1]، فهي إذن على مذهب شيخ المحققين ورحالة الشرق عبدالوهاب عزام تستحق التسجيل والتدوين.

(كانت أسفاري في الشرق طويلة المدى قصيرة الزمن. فلم ينفسح الوقت لوصف ما أشاهد وما أحس أثناء الأسفار. وكانت كتابتي عن بعض الرحلات تتأخر أشهرًا بل سنة أو سنتين. وكلما لمت نفسي على هذا التأخير أجابت: إن المشاهد التي لا يبقى أثرها في النفس سنين لا تستحق التسجيل) عبدالوهاب عزام – رحلات [رمضان 1358] ص2

أكتبها اليوم شكرًا لله عز وجل وتحدثًا بنعمته علي، فقد كانت آخر رحلة دولية في ربيعي الأول قبل الثلاثين. وما زال الربيع بعد الثلاثين خاليًا من الأسفار الدولية. وليست العبرة بكثرة الأسفار أو المكث في الأوطان بل بشكر الله عز وجل والاعتبار بالتجارب والاتعاظ بالأخبار.

فنسأل الله حسن الدين والخلق والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة.

البراء بن محمد

هامش

[1] لم أعتن بتقييد التجربة كما ينبغي لثلاثة أسباب.

1- غمط التجربة: لم أزل أغمط تجربتي حقها بقياسها على تجارب أخرى فريدة. فأي شيءٍ أكتبه وما زالت المكتبة العربية تزداد من رحلات اليابان والسفر إليها؟ وأي تجربة أحدث الناس عنها وقد اجتهد أحمد الشقيري في نقل إحسان اليابان إلينا؟ وأي دلالة تنفع السائحين في ثلاثة أعوام خلت [1445 و1446 و1447] وإنما كانت التجربة واحدة كبيضة الديك؟

2- اليأس من المحاولة الثانية: افتتحت العام الهجري 1444 برحلتي إلى أذربيجان، وجهدت غاية الجهد في التصوير، والتدوين، والتوثيق، وأخرجت مسودة (نزهة سائح في أذربيجان) في ثوب حسن وحلة قشيبة، فما لبثت حتى أيست من قلة احتفاء الناشرين بعملي الأدبي. وأورثني اليأس ريبًا في صلاح أدب الرحلات لزمانٍ تغلب الصورة فيه الكلمة، ويهزم المقطع المرئي ألف حديثٍ وحديث. أفتظنني أعيد التجربة في اليابان؟

3- رماية لا تصيب الغرض: أأكتبها يوميات كما ابتدأتها؟ فكيف السبيل إلى خريطة الطريق والتشويق في سرد الحكاية؟ أأبثها مشاهدات؟ فأي شيءٍ شاهدته وإنما كانت ستة أيام ضاع خمسها أو ربعها في التنقل بين الفنادق والركض بين القطارات؟

وزد على ذلك نفورًا شديدًا من النقصان وطبعًا لا يريد غير الكمال، وتفاصيل لا أكاد أستغرقها بل أغرق فيها كلما بحثت عنها.

لم أشأ أن أكرر ما قاله الناس قبلي، فتشاغلت بتتبع ما كتب عن اليابان قبل عام 1445.

أردت أن أهجر ألفاظ الإنجليزية في عام 1446 ونبذ وساطتها بين العربية واليابانية، فلم أفلح لشرف الهدف وقلة الوسائل المؤدية إليه.

ولما كنت رجلًا شديد الاستهلاك للمعرفة والأخبار، فقد كانت الأيام تسلخ مني كل ذكرى يابانية. فلا تمر بي الصور أو المقاطع المرئية إلا عند تفريغ الهاتف من البيانات التي ما فتئت تنوء به، وترهقه عن تخزين المزيد.

تفكرت في ضم اليابان إلى إندونيسيا في كتابٍ واحد وسياقٍ فريد، فقد هيأ الله لي صفرًا أجول به في الأرخبيل الهائل، وإنما كانت ليالي وأيامًا أقل من أصابع اليد.

وما زلت أتردد في عرض التجربة وأقصيها عن مسرح الاهتمام، ومنصة الحديث حتى تضاءلت في نفسي واختفى كل باعثٍ على الكتابة والنشر.

والله أعلم!