محيط لا يحيط! ألن نخرج من لينكدن في 1448؟ [delinked] 4-1-1448
بسم الله الرحمن الرحيم
ليلة الجمعة 4 محرم 1448
وميض: ظننت أن ذلك الزميل الذي أحادثه ويحادثني ينفعني حين أحتاج إليه. سألته وقد انقضت المصلحة الجامعة أن يرسل إليّ شيئًا يسيرًا ينفعني ولا يضره. فكان جوابه (نعم هنيئة) وليتها كانت (لا مريحة) [1]. ومضت الأيام حتى انقضت حاجتي إلى تلك الحاجة!
ليس أحدنا بريئًا من خذلان من يحتاج إليه لكننا نسأل الله المغفرة وأن يجعلنا عند حسن الظن.
-
أولئك الرفاق الذين يبحرون في غمار المحيط الأزرق الهائل. محيط لينكدن الذي استولى على أكثر المهنيين، وصار استكشافه شرطًا من شروط النجاح المهني والثقة بخبرة من يتقدم إلى الوظائف أو يبيع منتجاته إلى الناس.
يطلب أحدهم الدعم فيهب أصحابه ليسعفوه بالإعجاب والتعليق. ويغدو التعارف في لينكدن سببًا وثيقًا لزيادة الزملاء (connections) ومعرفة أخبارهم، وتتبع تاريخهم المهني، ومراسلتهم عند الحاجة.
لا يكاد أحدٌ يصبح في ذلك المحيط أو يمسي من غير أن يسوِّق لنفسه أو خبرته، ويتفنن في اختيار أغرب العناوين التي تخطف الألباب، ويحتال في كيده ليلقي إلى من يطالع منشوره طعمًا لا ينال منه أكثر ما يريد بل قليلًا يحمله على إدمان المتابعة وانتظار المزيد.
لن أنسى أن أضيف العبارة (إلا من رحم الله) لأن التجربة لا تستحق أن تروى أو تحكى بغير هذا الاستثناء البديهي. إنه يقنعنا -أو يوهمنا- بأن ما نرويه يخلو من المبالغة والمجازفة.
ليس المحيط الأزرق بعيدًا عن محيط الشركات التي نعمل فيها جميعًا صباح مساء (ثمان ساعات وأكثر) لتحقيق مستهدفاتنا، وإثبات مراكزنا، ومنافسة أقراننا، ونيل راتبٍ يكفينا إلى آخر الشهر الميلادي القادم (ولا أدري متى ننال الراتب في الشهر القمري الهجري).
نجتمع في غرفة الطعام أو المطبخ، فنتآكل ونتحادث ويصغي أحدنا إلى أخيه حتى يفرغ من طعامه سندويتشًا كان أم صحنًا. ولا يلبث أن يراه بعد قليل فيحدثه عن مشروعٍ يعمل عليه، أو يشكو من زميلٍ آخر، أو يستدرجه ليسمع منه سرًا لم يكن يعرفه.
نخرج من محيط الشركة إلى المحيط الأزرق فنتسارع إلى طلب الإضافة، ويصانع أحدنا أخاه بتفاعلٍ عابر مع بعض المنشورات، وقد يسأله عنها في اليوم التالي.
تمر الأيام والشهور، فتنقطع الصلة لانقطاع سببها، ويرق حبل الوداد، وتنتهي المؤاكلة والمحادثة، ويغدو القريب غريبًا، والرفيق الحاضر زميلًا سابقًا.
لم تكن تلك العلاقة المهنية سوى رفقة طارئة في طائرة لا تعبأ بتعاقب الركاب والسائقين.
يدخل أحدنا إلى الشركة مجرَّدًا من كل شيء فيتسلح بما عندها من الأجهزة والأدوات والعلاقات، وقد ينسى مع كثرة الملابسة وانغماسه في العمل أن ذلك كله زائل إذا خرج من الباب وانتهت مدته عندهم وانقضت عدته منهم.
أترى المحيط الأزرق بعيدًا عن الشركات التي عملنا بها كبيرة كانت أم صغيرة؟ أتظنه يخلو من الجشع والرغبة في إنهاك المستخدمين مع قلة العائد وانتفاء الجدوى؟
إن كنت تحسن الظن بما عندك في المحيط من علاقات وحضور رقمي، فجرِّب -ولو أيامًا معدودات- أن تخرج عنه، وأن تعتزل أخباره، وتستريح من منشوراته المكررة ومقترحات خوارزمياته، والمحتوى الذي لا يحوي شيئًا مما يهمك.
أتستطيع عندئذٍ أن تتقدم إلى وظيفةٍ تريدها أو منصب تطمح إليه بلا رحلة شاقة في مضماره الطويل؟
أتستطيع أن تجتمع مرة أخرى بالرفاق والزملاء أو تتواصل معهم بلا تكلف ممجوج أو تصنع كاذب؟
أتستطيع أن تدخل إلى السوق وتستحوذ على العملاء بلا راية تائهة ترفعها في وسط البحر الغادر؟
ألا ينبغي أن نُخِرج ما نريده من المحيط الكبير إلى محيطنا الصغير؟ ألا ينبغي أن نهتم بعصفورٍ في أيدينا وندع مئات العصافير في أشجارٍ بعيدة المنال؟
أكتب إليكم هذا المقال عسى أن أُخرِج أنفس ما كتبته في لينكدن، وأستخرج منه صفوة معارفي -وكلهم إن شاء الله من الصفوة-. وعسى أن نجد جميعًا برَّ الأمان ونظفر أخيرًا بما يفيدنا وينفعنا.
وأسأل الله عز وجل أن يجعل عامنا الهجري 1448 مثمرًا ناجعًا ناجعًا بلا محيطٍ لا يحيط!
البراء بن محمد
كاتب مختص بتطوير الأعمال والتقويم الهجري
1:20 من ليلة الجمعة 4 محرم 1448
هامش
—
[1] جاء في المحاسن والأضداد للجاحظ: (وطلب العتابي من رجل حاجة، فقضى له بعضها ومطله ببعض، فكتب إليه: أما بعد فقد تركتني منتظرًا لوعدك منتجزًا لفردك، وصاحب الحاجة محتاجٌ إلى نعم هنيئة أو لا مريحة. والعذر الجميل أحسن من المطل الطويل) اهـ