انقطاع دوام: أي شيء يبقى في اليوم الأخير؟ تأملات وتجارب 24-1-1448

الخميس 24 محرم 1448

إقالة أو استقالة أو عقد ينتهي عند أجله، أو تجربة تنقضي قبل أجلها.

جربت ذلك كله في ثمانية أعوام خلت من مسيرتي المهنية. وكانت النهاية سواء. تسجيل الخروج من البريد وتسليم اللابتوب والخروج من بابٍ دخلت منه في اليوم الأول.

الإخراج من بريد العمل. صورة التقطتها في الساعة السادسة وإحدى وثلاثين دقيقة من نهار الثلاثاء 22 محرم 1448.

حان اليوم الأخير!

ها هو قسم الآي تي (القسم التقني) يخرجك من البريد الإلكتروني، ويمنعونك نظرة أخيرة في سجلك الحافل من رسائل المتابعة والمهمات والاجتماعات الكثيرة.

ستغيب السحابة التي كانت تظلك وكنت تستودعها ملفات الوورد والإكسل ومستندات أخرى شخصية وعملية.

أنت اليوم غريبٌ عن أنظمة علاقات العملاء (CRM) وتخطيط موارد المؤسسة (ERP). غريبٌ كان قريبًا إليها، وممنوعٌ عن الدخول وقد كان يلجها كل يوم.

فلتودع اللابتوب! لقد حان الفراق، وانقضت أيام الوصال، وصار حتمًا عليك أن تدعه بعد أن كنت تحمله إلى كل مكان، وتستعد للاتصال به في كل لحظة. وها أنت تخلص منه بياناتك الشخصية التي امتزجت ببيانات العمل وأسراره.

فلتستعد أيضًا لانقطاع الصلة بالزملاء الذين يودعونك اليوم، ويشيعونك إلى الباب الذي يؤدي إلى مجاهل تختبئ في طيات القدر.

ألست تتسائل حينئذٍ عما يضيع منك في يومك الأخير؟ وهل كنت تملك شيئًا قبل ساعة التجريد من العمل؟

بطاقات غير مجدية. صورة التقطتها لركام من بطاقات العمل وهي الآن بلا عمل. الخميس 24 محرم 1448.

حكاية: هل كنت أملك ما أعمله؟

ذات يومٍ أخير كنت أنتظر إتمام نقل الملفات كلها من اللابتوب إلى بريد شخصي، وقد طال المقام، وأردت أن أودع الزملاء قبل أن أخرج للمرة الأخيرة تقريبًا من الشركة.

قال لي أحدهم: (أليست هذه ملفات العمل؟)

(الملفات التي عملت بها).

(فلماذا تنقلها إليك؟)

(لأنني أنشأتها واستعملتها).

(لكنها ملك الشركة وليس لك أن تنقلها بغير إذن).

(...).

(اصنع ما شئت لكنني أردت أن أنبهك).

لم يكن أحدنا مديرًا على صاحبه، لكنه اختلاف رأيين لا يخلو أحدهما من الصواب والنظر.

الحاسب والبريد وما فيهما من البيانات ملك الشركة، ولها أن تتصرف فيه كما تشاء بحسب العقد.

وللموظف أعمالٌ وملفاتٌ أنشأها وبذل فيها جهده وينبغي أن يكون له نصيبٌ منها دون أن يضر بالشركة أو يفشي أسرارها.

لكنني علمت بعد قليل أن القسم التقني يلقي بذاكرة اللابتوب إلى مجاهل العدم، وأنني لم أستفد كثيرًا -كما ظننت- مما استبقيته من الملفات!

أي شيء تناله الشركة في ساعة التجريد؟

1- اللابتوب.

2- والشاشة ولوحة المفاتيح.

3- والحقيبة.

ولا داعي لذكر البريد أو الحسابات المتعلقة فذلك أول ما ينزع منك عند حلول الأجل.

أي شيء تناله من الشركة بعد ساعة التجريد؟

الحقوق ودفتر وقلم!

وإنني ما زلت أحمد الله على دفترٍ من الورق قيدت فيه يوميات العمل وملاحظاتي وما شهدته في كل اجتماع.

وذلك الدفتر أحب إلي من بريدٍ هائل، وسحابة عظيمة!

لن تأذن الشركة باستعادة الملفات بعد استيداعها في سحائبهم، لكنها لن تتسلط على مسوداتٍ للمخططات والمنجزات.

ما خبر اليوم الثاني؟ صورة التقطتها لإحدى يومياتي. الخميس 24 محرم 1448.

أربعة تعلمت ألا أؤجلها إلى ساعة التجريد

1- تخليص المستندات الشخصية من مستندات العمل.

وميض: سألت مديرًا أن أستخرج ملفاتٍ لي من جهاز صار محظورًا علي، فسألني أن أحصيها في قائمة، وأرسلها إلى القسم التقني. فكيف السبيل ولا سبيل؟

2- وكتابة تقرير عما أنجزته وعما أردت إنجازه.

وميض: تركت التعويل على شهادات الخبرة لما نلت إحداها فلم أجد فيها شهادة صادقة على خبرتي ومعرفتي. وما زلت أطلب تحرير الشهادة وذكر بعض ما أنجزته لتكون شهادة صادقة وافية.

3- وكتابة الرسالة الأخيرة لزملاء العمل.

وميض: عاجلني القسم التقني بقطع الاتصال وكف يدي عن البريد، وكان ينبغي ألا أؤجل الرسالة الأخيرة إلى يوم الغد!

4- وطلب شهادة الخبرة وأي مستند تحتاج إليه في المستقبل.

وميض: شق على زميلٍ سابقٍ أن يستخرج شهادة خبرة. وعلل تأخره بطول العهد. فأدركت أن ساعة التجريد تجردنا من كل شيء حتى طلباتنا الصغيرة!

شهادة لمن يهتم، فمن يهتم؟ صورة التقطتها لإحدى شهادات الخبرة. الخميس 24 محرم 1448.

خلاصة مجردة

قال أحد الشعراء: يمثل ذو اللب في نفسه مصائبه قبل أن تنزلا

فإن نزلت بغتة لم ترعه لما كان في نفسه مثلا

لا تخفف الأيام وطأة النهاية، ولا ترفع عنا وقع ساعة التجريد من، لكنها تبصرنا بحاجتنا إلى تجريد أعمالنا قبل أن نتجرد عنها راغمين!

ولا تدع كتابة الأعمال ما دمت تحمل الورقة والقلم!

أحص ما عملته، وقدر ما صنعته بيديك، فليس ذلك شأن المدير أو الشركة أو أي أحد من الناس سواك أنت.

كلمة مجردة

(بالكتابة جمع القرآن وحفظت الألسن والآثار؛ ووكدت العهود وأثبتت الحقوق، وسيقت التواريخ، وبقيت السكوك، وأمن الإنسان النسيان، وقيدت الشهادات، وأنزل الله في ذلك آية الدين وهي أطول آية في القرآن)

أبو بكر محمد بن يحيى الصولي – أدب الكتاب – المطبعة السلفية 1341 ص24.

وكتب البراء بن محمد

tawasul@albaraaibnm47.com

كاتب مختص بتطوير الأعمال ومهتم بإحياء التقويم الهجري والاكتفاء به.

عصر الخميس لخمسٍ إن بقين من المحرم من عام ثمانية وأربعين وأربع مئة وألف.

فكرة قادمة: تجربة في درء اختلاط الملفات الشخصية بملفات العمل، وتجربة أخرى في تقييد المنجزات.

هامش:

عنوانان بالإنجليزية والفرنسية:

At Last, What We Lost? Reflections

Tenir jusqu’au bout, mais il reste quoi pour le reste ?