أخدان المحيط الأزرق – قصة قصيرة 14-3-1448
تاريخ النشر: 11:30 عصر الخميس 14 ربيع الأول 1448 | آخر تحديث: 11:46 عصر الخميس 14 ربيع الأول 1448
تمهيد
سألني عن علاقة إنترنت الأشياء برؤية المملكة [لعام 1452هـ]، فأريته إسبونج بوب في العرض التقديمي، ابتسم وأعجبته القصة القصيرة، فكانت مفتاحًا للوظيفة الأولى في سيرتي الذاتية.
أراد آخر أن يختبر فهمي للرؤية، فاستدللت له بقصة الجوازات السعودية، وسرعة اللون الأخضر إذ انتقل من ملفات المراجعين إلى التطبيق الرقمي أبشر. وكانت تلك القصة سببًا من أسباب الوظيفة الوسطى.
وما زالت القصة القصيرة بليغة بالغة الأثر ذات سحر عجيبٍ وسر غريب ينطق الأعداد، ويسلط الحقائق على أشد الناس عنادًا وأصعبهم في قبول الحق.
لم أستعمل القصص القصيرة كما ينبغي في مسيرتي المهنية، لكنني اليوم أسوق إليكم قصة شاركت بها في جائزة محمود تيمور للقصة القصيرة في جمادى الأولى عام 1447. ولتلك الجائزة قصة أخرى!
هذه غاية المقدمة، وبداية القصة التي حررتها وغيرت عنوانها من (كلٌ يغني على ليلته) إلى (أخدان المحيط الأزرق)، ولكل عنوانٍ دلالته التي أدع لكم النظر فيها كما تشاؤون!
فإلى النص!
أخدان المحيط الأزرق – قصة قصيرة البراء بن محمد 13-12-1447
اجتمعا في مكتب فاخر في برج يعانق السماء.
[هو] (أهكذا إذن؟! وفي هذه الليلة الكريمة؟!).
[هي] (ألن تكف عن إلحاحك؟ قلتُ ما عندي وانتهى الأمر).
[هو] (وتهدرين سنواتٍ من الوفاء والولاء بجرة قلم؟).
[هي] (ليس يصلح اليوم ما كان يصلح بالأمس).
[هو] (غدًا أجمل...).
[هي] (لا طاقة لانتظار الغد!).
[هو] (امنحيني فرصة أخرى!).
[هي] (اقرأ الورقة ووقعها من فضلك).
[هو] (وأنى ذلك؟).
[هي] (لم أبخسك شيئًا من حقوقك).
[هو] (ولكنك تبخسين حقك فيّ).
[هي] (لا حاجة لي فيه. تكفي عشر سنوات بأيامها ولياليها).
[هو] (أما زلتِ تريدين الخلاص مني؟!).
[هي] (لا يد لي في الظروف).
[هو] (ما كنت أظن أنك تفعلينها).
[هي] (رفعت الأوراق في النظام. وننفصل عمّا قريبٍ إن شاء الله).
[هو] (ما تقولين في الود القديم؟).
[هي] (أمهلتك شهرين).
-—-
[مجلسٌ شعبي].
دلف إليه حيث يجلس صاحبه وبين يديه مطفأة السجائر وصحن المكسرات.
وانتهى الحديث إلى ذلك الموضع.
[هو] (تلك خلاصة الأمر. لماذا أهون عليها وقد بذلت ما في وسعي؟!).
[ذاك] (لقد تشبثت بها أكثر مما ينبغي).
[هو] (أكان وفاؤها كاذبًا؟!).
[ذاك] (لا أمان للدنيا يا صديقي).
[هو] (ظننتها تشذ عن القاعدة).
[ذاك] (لو كنتُ مكانك، وعانيتُ عشر ما عانيتَه ما أقمت عندها ليلة واحدة!).
[هو] (لذلك أكثرت التنقل!).
[ذاك] (ولست آسى -الآن- على الفراق).
[هو] (ما أقسى قلبك!).
[ذاك] (بل ما أقسى الدنيا وأهلها!).
[هو] (فكيف الخلاص مما أنا فيه؟).
سألا العامل أن يجدد لهما المكسرات والشاي.
[ذاك] (المخرج أدنى إليك مما تظن).
[هو] (أأتوسل إليها أن تعيدني إلى عصمتها؟ أم أبحث عن...؟).
[ذاك] (أتعود إلى من وطئتك بأقدامها؟! أين كرامتك يا رجل؟ لولا أنني أعرفك حق المعرفة لهجرتك إلى يوم الدين).
أطرق خَجِلًا منكسرًا.
[ذاك] (ما بالها تتصل الآن -لعنها الله-؟ أستأذنك. مهمة ليلية خاصة!).
-—-
لم تمض أيامٌ من البحث في منصةٍ ما حتى وجد من يتحدث إليها، فقبلت أن تجري معه مكالمة مرئية.
[تلك] (بدا لي من حديثك أنك خبير مقتدر، وأنك تستطيع العمل ليلَ نهار).
[هو] (هذا من حسن ظنك).
[تلك] (وأحب أن تسارع في الإقامة معي).
[هو] (يشرفني ذلك والله).
[تلك] (فمتى؟).
[هو] (لن نختلف بإذن الله. أيناسبك أن آتيك بعد شهر؟).
[تلك] (ولكنني أحتاج إلى رجلٍ على الفور. فما الذي يؤخرك؟).
[هو] (ما زلت في العِدة).
[تلك] (ألم تستبرئ بعدُ منها؟).
[هو] (وعدتني أن تطلق سراحي بعد ثلاثة أسابيع. ولكنني أخشى أن تحتاج إلى معونتي).
[تلك] (لو احتاجت إليك، لما تخلت عنك...).
[هو] (سألح عليها لتقصّر المدة).
-—-
لم ييأس من كثرة طلبات التواصل، فكان يعرض كفاءاته على كل من يعرف، حتى سئل مرة بعد صدٍ ورد أن يشهد اجتماعًا ما ليُنظَر في أمره.
[مقدمة طويلة]
[هو] (أريد أن أرتبط بك).
[أخرى] (ما أسرع رغبتك!).
[هو] (فيكِ قبولٌ من الله. والقلب مطمئن إليك).
[أخرى] (شكرًا. هذا من لطفك).
[هو] (أفلا نوقع الورقة إذن؟).
[أخرى] (لست شابًا).
[هو] (الشباب في القلب).
[أخرى] (لكن قلبي في الشباب).
[هو] (الشباب سريعو التقلب).
[أخرى] (فكان ماذا؟).
[هو] (لا دوام لهم. لقد بقيت معها في أحلك الظروف).
[أخرى] (وبعد أيامٍ ترحل عنها).
[هو] (الصبر مفتاح...).
[أخرى] (إن أردت أن تلج إليّ من الباب، فدونك العرض الذي يليق بكل شاب).
[تردد وهو يتفحصه].
[أخرى] (يليق بكل شابٍ صغيرٍ وكبير!).
[هو] (أهكذا تبذل الشابة للشباب؟ لا عجب أن قل الوفاء فيهم).
[أخرى] (من يخطب الحسناء لم يغله المهر!).
[هو] (أفيكون وقتي مهرًا؟).
[أخرى] (أيكون مالي إليك؟).
[هو] (ما أسفل المعالي!).
[أخرى] (يا هذا! افتح الباب، أو عد إلى بابك الموصد!).
[هو] (دعيني أستخير الله).
-—-
رفع هاتفه فلمح ذلك الرقم المميز يتصل به، أسرع إلى موضعٍ لا يُسمع فيه وأجاب المكالمة.
[هي] (ما أكذبك يا هذا! ها نحن في اليوم الثاني عشر وقد وعدتني بأن تأتي في العاشر).
[آخر] (اعذريني والله. لقد كدت أن آتي لولا أن غرني وقارها العظيم وأدبها الجم).
[هي] (فلتهنأ بها إذن).
[آخر] (لا تقولي ذلك. فلن أتأخر عليك).
[هي] (لقد تأخرت يومين ولست أطيق الانتظار إلى اليوم الخامس).
[آخر] (إنما أصابني بعض التردد).
[هي] (امضِ ولا تتردد).
[آخر] (إلى أين؟).
[هي] (إلى حيث ألقت...فرصتك!).
[آخر] (أخشى ألا تصلح لي).
[انقطع الخط!]
-—-
تلفت يمنة ويسرة واستوثق من أن أحدًا من معارفه لا يراقبه أو ينظر إليه. حتى استطاع أن يدخل إلى ذلك المقهى النائي في وسط المدينة. أزال كمامته وانتظرها قليلًا.
[مقدمة معتادة].
[ذاك] (هذه سيرتي باختصار. أعندك أسئلة أخرى؟).
[تلك] (أتعمل بالليل؟).
[ذاك] (لا).
[تلك] (ولماذا؟).
[ذاك] (أحتاج الآن إلى الراحة).
[تلك] (والراحة لا تنال بالراحة).
[ذاك] (فما الذي أجده حينئذٍ؟).
[تلك] (ما شئت من المطامع).
[ذاك] (أريد أن أستقر في موضعٍ عالٍ).
[تلك] (الركود يفسد الماء).
[ذاك] (والحركة الكثيرة تقطع العمر).
[تلك] (لا بأس. ننظر في ذلك. قل لي: كيف أمانتك؟ وكتمانك الأسرار؟).
[ذاك] (ماذا قلتِ آنفًا؟!).
[ابتسامة أعقبها صمت يسير].
[تلك] (من يشهد لك من أقرانك؟).
[ذاك] (فلان!).
[تلك] (فلانٌ!)
[ذاك] (هو هو بعينه).
[تلك] (هات رقمه لأقطع الشك باليقين!).
-—-
جاءت إلى القاعة وقد طال انتظاره، واشتدت رغبته في أمرٍ ما.
[...]
[آخر] (كم طالت مودتنا!).
[أخرى] (وطابت مدتنا).
[آخر] (فمتى العقد؟).
[أخرى] (إذا حصلت المعرفة).
[آخر] (ألم تحصل بعد؟).
[أخرى] (التجربة خير برهان).
[آخر] (لذلك عرفت أنكِ خيرٌ لي).
[أخرى] (لم تكن كافية لي).
[آخر] (مر ربع سنة. والربع كثير!).
[أخرى] (ما صنعت بالمهمة التي أسندتها إليك؟).
[آخر] (أعود إليها الآن إن شاء الله. لم يبق فيها كثير).
[أخرى] (بئس التجربة هذه. انصرف راشدًا وانتظر النهاية في أي لحظة).
[آخر] (يبدو أنها كانت معرفة كاذبة!).
-—-
حوارٌ في المكتب الفاخر في البرج الذي يعانق السماء.
[هي] (أي شيءٍ يبقيك معنا؟).
[...] (لا شيء. فقد طفح الكيل).
[هي] (ما أقل الكيل إذن!).
[...] (وما أكثر من يطلبه في السوق).
[هي] (أولو زدتك في الكيل؟).
[...] (ليس بالمال وحده يحيا الإنسان).
[هي] (لعلك أردت المنصب الرفيع؟).
[...] (كم طلبت العلو عندك؟!).
[هي] (وأنا اليوم أطلبك).
[...] (سبحان الله! ما أسرع تقلب الأيام!).
[هي] (فرصة لا تتكرر).
-—
دخل إلى منصة المحيط الأزرق وكتب فيها معرِّفًا بنفسه وخبراته، واختتم منشوره فقال: (قديرٌ على عمل الليل وأكره أن أبيت ليلة بلا عمل. [ذاك ورقمه وبريده!]).
تمت يوم السبت 13 ذي الحجة 1447.
ونسختها إلى المدونة عصر الخميس 14 ربيع الأول 1448.
وكتب البراء بن محمد عصر الخميس 14 ربيع الأول 1448.
كاتب هجري!