معنى جديد لأنى: تأملات في تجربة ثمانية أشهر من صناعة المحتوى الثقافي 18-1-1448

الجمعة 18 محرم 1448

تنبيه

أحدثكم اليوم حديث الكاتب الذي يفضي ببعض تجربته لينتفع بها القارئ والكاتب. وأخصكم بتأملاتي في تجربة ثمانية أشهر في صناعة المحتوى الثقافي مرئيًا ومسموعًا ومكتوبًا في منصة أنى. حديثٌ شخصي متبسط لا يمثل أنى -فحساباتها معروفة مشهورة- بل يمثل تجربة إنسانية فيها.

أنى تكون المقدمة

(أنى ومن أين آبك الطرب *** من حيث لا صبوة ولا ريب

البيت للكميت بن زيد، وهو مطلع إحدى هاشمياته، وأنى: بمعنى كيف. وآبك:

معناه أتاك، والشاهد: استعمال «أنى» بمعنى «كيف)

شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتاب النحوية – محمد حسن شراب

لم تكن أنى في حسباني وتقديري سوى أداة استفهام قلّ أن ترد في كلام الناس اليوم، وإن وردت ثمانٍ وعشرين 28 مرة في القرآن كلام الله عزوجل كما أحصاها محمد فؤاد عبدالباقي رحمه الله في كتابه المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.

غير أنني تعلمت معنى جديدًا (1) لأنى وأحب أن يزاد في معاجم اللغة وقواميسها. أنى (مساحة للحكمة والجمال). وعهدي بهذا المعنى الجليل يبتدئ في ليلة من ليالي ربيع الآخر من عام 1447 لما فاتحت أخي سالم باعارمة في شراكة ثقافية مع إحدى الشركات، فدعاني -مشكورًا- إلى شراكة في مشروعه (منصة أنى الثقافية)، وقد تم الأمر في جمادى الأولى من ذلك العام.

ثم حانت ليلة الخميس [17 محرم 1448] فانقضى الموسم الأول، وأسدل الستار على المنصة، وبقيت آثار أمسياتها شاهدة على فضلها وشرف موضوعاتها. ونأمل عودتها قريبًا بإذن الله.

وتكفينا 190 مادة [أو تزيد] مرئية ومسموعة ومكتوبة بثت ونشرت في ثمانية أشهر في أربع منصات للتواصل: يوتيوب، وإكس، وإنستجرام، وتيك توك.

وأفضي إليكم في هذه المقالة بثلاثة أسرارٍ للتحول الذي شهدته بنفسي في هذه الرحلة الممتدة.

1- تجديد التعلم:

تعرفت إلى سالم رئيسًا وزميلًا في نادي اقرأ وفكر، وشهدت مجالسه الفلسفية والفكرية، وأحسب أنه شهد مني براعة في الكتابة، وتلخيصًا حسنًا لمجالس النادي [يسمونها لقاءات وأحب أن أسميها مجالس].

وقد لخصت 21 مجلسًا، وأشرفت على تلخيص الزملاء الفضلاء.

كنت آتي إلى اللقاء، فأعمد إلى هاتفي وألتقط شذرات من حديث الملقي، ثم أنصرف إلى البيت فأحرر الملخص لينشر في اليوم التالي.

وكان التلخيص الفوري -كما لاحظت- يصرفني عن التفاعل في المجلس، ويحملني على بذل الجهد في استخراج الخيط الناظم، وإعادة الكتابة من جديد.

ثم قدمت إلى أنى ممتلئًا بهذه الخبرة الجليلة، وألقيت أعباءها عن كاهلي لما قيل لي: الأمسيات مسجلة محفوظة.

وأدركت بعد قليل أن المجلس المحفوظ كالمجلس المشهود، وكليهما محتاجٌ إلى العناية والاجتهاد!

لقد وجب علي أن أستمع مرات وكرات حتى أظفر بخلاصة تستحق أن تكتب. والكلام الطويل -لا سيما النافع الماتع- يشق على من يريد أن يستخلص العظات والعبر واللطائف المستملحة والفوائد المهمة.

لم تنحصر مهماتي في التلخيص. إذ انفسح مجال الكتابة، واتسع نطاق العمل، وصرت أرتحل محمّلًا بمادة الأمسية إلى عوالم جديدة من المحتوى لم أجربها من قبل.

استغرقت الأمسية الأولى أمسيات عديدة كي أنجزها، وكذلك في الثانية حتى تناقصت المدة وتضاءل الجهد. والحق أن سالمًا لم يكن يتلقى ما أقدمه إليه بعين إعجاب تغض الطرف عن دقائق الأمور بل بعين فاحصة ناقدة، فأفادني ذلك كثيرًا، وأحسب أنني انتفعت منه في التحسين والتجويد.

وامتد العمل في المحتوى إلى الإشراف على تحرير المقاطع المطولة، واستخراج الشائق منها، والكتابة عنها ووصفها بأساليب مختلفة ولأغراض شتى. فاكتسبت مهارةٌ لا تقدر بثمن، والحمد لله رب العالمين.

ولا ينبغي لي أن أنسى مرئيات أخي عبدالوهاب رئيس فريق الإنتاج، وملاحظات الأخت أمجاد قائدة فريق إدارة المحتوى، ومعها الأخت رهف المصممة البارعة. فقد استفدت من هؤلاء جميعًا وإنني أشكر الله عز وجل ثم أخي سالم على الاجتماع في مشروع ثقافي فريد.

ما أكثر ما تعلمته في أنى! وهذه أهم خلاصة أبذلها لكل من يحب أن يدير صناعة المحتوى الثقافي (إن تجديد التعلم باكتساب علمٍ ثانٍ لا يبطل العلم الأول، بل يزيده قوة إلى قوته، ويثبته في القلب، ويجمعه إلى نظائره المتفرقة، ويوسع مداركه في العقل).

2- قوة التكرار والإصغاء:

ما الذي أتذكره من لقاءات أنى؟

أتذكر الأستاذ طارق القرني وهو يحدثنا عن (الامتلاء بالمفاهيم والطريقة المثلى في الحوار)، وحديث الأستاذ رائد العيد عن (الحق في البداية الجديدة وجمال التأمل في الهوامش)، وملاحظة الأستاذ سليمان الناصر لـ(تعدد تعاريف الفلسفة وفلسفة الأخلاق التي كتب فيها الفلاسفة المحدثون)، واقتباس الدكتور عبدالرزاق بلعقروز عن (عراء العدمية التي نعيشها، والكلمة التي تصنع الإنسان)، ولمحة الأستاذة أمل عبدالعزيز عن (بارتلبي النساخ، ومطلع رواية الغريب)، وتساؤل الأستاذ هيثم السيد عن (السكر الذي لا يحيبه الصينيون والتيك توك المحظور في بلادهم!).

وهل أنسى مجلس الأستاذ أسامة الواصلي في (الواقعية التي أعقبت المثالية وشاعرية أفلاطون) ؟ وهل أغفل يومًا عن كلمة الدكتور علي النهابي في (أثر الأدب في واقعنا المعاصر والغرابة التي يحتكم إليها الأدب)؟ أيليق ألَّا أشيد بإلقاء الأستاذ سعد الشريف لقصائد البردوني وإعجابه بذلك (المثقف النافع)؟ أينسى التاريخ تحذير الدكتور سعد البازعي من (تعاقب الأزمات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تبتلعنا)؟ وهل يلتفت أهل الدين والأخلاق إلى اجتماعهما في مصنفات علماء الإسلام وإلى مجلس الدكتور حامد الإقبالي؟

إنني لا أكاد أمر بمقطعٍ مرئي أو مسموعٍ لأنى من غير أن أستحضر بدايته أو خاتمته، ومن غير أن أستمتع بما فيه من الإشارات اللطيفة والفوائد العجيبة. ولولا الإنصات لما تحقق شيء من ذلك.

لقد أنصت للمتحدثين لأخرج شيئًا من علومهم وتجاربهم إلى المتلقين، ورأيت في ذلك أمانة في عاتقي، ووسيلة إلى التعريف بهم، والتعريف إليهم.

نعم لست أنكر أنني لم أكن أحصل على الفائدة كلها من أول مرة، لكن الإصغاء مع التكرار أوصلني إلى الكنز المتواري في الحديث.

وإننا أشد حاجة في عصر شتات الذهن وتفرق القلب إلى إصغاء صادق، واستماع باهتمام عسى أن نجد حلاوة الحديث، ونظفر بخلاصاته المهمة.

أكان العمل يخلو من بعض الأخطاء والهنات؟ كلا. فقد استدرك ضيف أو ضيفان على خطأ بعض الكلام الذي نسب إليهما، ووجب تصحيحه ونقله على وجهه.

فإن كنت تحب أن تستخلص أنفس ما في الحديث وأجمل ما في الكلام فأنصت واستمع وكرر الاستماع لتكون ممن قال فيهم الشاعر: (أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا)؟

3- الشريك الإنسان!

أنى راية نصبها سالم واجتمعتُ تحتها مع أمين شحود وندى القحطاني وداود صالح وأبان قاضي وفريقي الإنتاج وإدارة المحتوى المذكورين. وأرجو أنني لم أنس أحدًا ساهم في رفع الراية والتمسك بها.

نعم لكل واحدٍ منا غايته من الراية، وهدفٌ يتحقق من المشروع، لكن الشراكة التي استشعرتها مع أفراد المشروع ليست شراكة احترافية أو مهنية بل شراكة إنسانية تهتم بالثقافة وصنع الأثر.

شراكة أستشعرها في تفاعل ضيوف أنى مع محتواها الإعلامي.

وأستشعرها أيضًا في اهتمام الأصدقاء والمعارف بما قدمناه فيها.

ومنه تعلم أن إنسانية الشريك تتقدم المنافع التي يقدمها، أو المصالح التي تعود إليه بالنفع.

أنى تكون الخاتمة

لست أرى خاتمًا أليق بهذه المقالة من الإشارة إلى حسابات أنى في مواقع التواصل الاجتماعي، والتفاعل معها عسى أن تعود قريبًا وأن يقال أنى يأتي الموسم الثاني؟

قناة أنى في يوتيوب:

https://www.youtube.com/@anna_cultural

أنى في إكس:

https://x.com/anna_cultural

أنى في إنستجرام:

https://www.instagram.com/anna_cultural

أنى في تيك توك:

https://www.tiktok.com/@anna_cultural

فأنى تكون العودة؟

وكتب البراء بن محمد

في أواخر عصر الجمعة الساعة الحادية عشرة وتسع دقائق قبل غروب الشمس لإحدى عشرة إن بقين من شهر الله المحرم لعام ثمانية وأربعين وأربع مئة وألف.